عبد الملك الجويني
128
نهاية المطلب في دراية المذهب
به . فإن قلنا : يشترط أن يكون التأويل مظنوناً لا يتطرق العلم إلى درك فساده وصحته ، فيلزم لا محالة الحكم بأن ما تمسك به معاوية في [ سلّ اليد ] ( 1 ) عن الطاعة كانت إصابته مظنونة فيه . وإن جوزنا أن يكون التأويل باطلاً قطعاً ، فيشترط أن يكون البغاة المتمسكون به على اعتقاد الصحة فيه ، ( 2 ولا يمتنع اجتماع فئةٍ 2 ) كثيرة على معتقدٍ باطل . فلو تبين لنا أن أهل البغي عالمون ببطلان ما يظهرونه ، فليسوا متمسكين بالتأويل . وأما ما ذكره العراقيون من اشتراط كون البغاة على طرفٍ ( 3 ) ، فلست أرى لذلك تحصيلاً ، إلا أن يحمل على وَهاء الشوكة ؛ فإن إحاطة الأجناد ببلدة البغاة قد توهي شوكتهم من حيث إنهم يؤتون من جوانبهم ، ولو كانوا على طرفٍ ، لم يتأتَّ هذا ، فيؤول ذلك إلى اعتبار الشوكة ، فهي المعتبرة إذاً . 10993 - ولو بلغ عددهم مبلغاً كثيراً بحيث لا يبعد مقاومتهم أجناد البلاد من جوانبهم ، فيجب الحكم بثبوت الشوكة وإبطال أثر الإحاطة . وينشأ من هذا المنتهى مسألة اضطرب فيها رأي الخائضين في أحكام الإمامة والبغاة ، والخارجين على الأئمة ، وهي أن طائفة لو بغَوْا ، وكانوا في عدد لا يقاومون به أجناد الإسلام الحالّين ( 4 ) تحت راية الإمام ، ولكنهم تقوَّوْا بمكانٍ حصين يعسر استنزالهم منه ، فهل يثبت لهم حكم الشوكة على قلة عددهم ، لاعتضادهم بحصونهم وصياصيهم ؟ فقال قائلون : يثبت لهم حكم الشوكة لتصور استقلالهم بأنفسهم ، ولا فرق بين أن يعتضدوا بكثرة في العدد وبين أن يستمسكوا بمكان ، وقال آخرون : لا يثبت لهم حكم البغاة ؛ نظراً إلى قلّتهم . والتحقيق فيه أنهم إذا قلّوا في أنفسهم لم يعظم خطر ما يتعطل فيهم من الأحكام ،
--> ( 1 ) مكان كلمة غير مقروءة بالأصل . ( 2 ) ما بين القوسين ساقط من ( ت 4 ) . ( 3 ) المعنى أن يكونوا في طرفٍ أي ناحية من نواحي الدولة ، وليسوا في وسطها ، بحيث يحيط بهم جند الإمام . ( 4 ) ت 4 : " الجارين " .